رواية الجمل والجمال – الجزء الثاني

في هذا الجزء، يواجه سالم وجميلة معًا أخطار المطر والسيول، بينما يقف الجمل مهاباج شاهدًا على أولى بوادر الحب والحقائق التي لا يمكن تجاهلها.

رواية الجمل والجمال – الجزء الثاني

كان الليل يزداد وحشة كلما ابتعدت جميلة عن حدود الواحة. المطر يضرب الأرض بقوة، والرياح تدفع الرمال كأنها سهام صغيرة تلسع الوجوه، لكنها لم تشعر بشيء من ذلك. ما كانت تفكر فيه فقط هو سالم… وصورة الجمل “مهباج” وهو يعرج أمامها، وثيابه الملطخة بالتراب وكأنه حمل معه خبرًا أسوأ من قدرته على احتماله.

كانت جميلة تركض خلفه، خطواتها تتعثر أحيانًا في الطين، لكنها لا تتوقف. مهاباج يلتفت بين فترة وأخرى إليها، يطلق صوتًا منخفضًا مليئًا بالقلق، ثم يتابع طريقه نحو الوادي المظلم.

ما إن بلغت حافة الوادي حتى شعرت جميلة بأن الصمت هناك مختلف… كأنه صمت يسبق المصيبة.

كانت ترى الأمطار تنحدر بين الصخور، وتسمع خرير الماء يتجمع في مجرى ضيق، بينما البرق يضيء السماء لحظات قصيرة تكشف ما حولها. وفي إحدى تلك الومضات… ظهر سالم.

كان مستلقيًا قرب صخرة كبيرة، ملابسه مشققة، وكتفه ينزف. يبدو أنه حاول النهوض مرارًا ولم يستطع. اقتربت جميلة منه مذعورة، وجلست إلى جانبه على ركبتيها، وهي تلهث من الخوف والركض.

قالت بصوت مرتجف:

ـ “سالم! سالم… تسمعني؟!”

فتح سالم عينيه بصعوبة، رأى ملامحها أولاً قبل أن يرى المطر أو الليل. ارتسمت على وجهه ابتسامة ضعيفة وقال:

ـ “أنتِ هنا…؟”

قالت بتأنيب وقلق:

ـ “كيف وصلت إلى هنا وحدك؟ وماذا حدث لك؟!”

أخذ سالم نفسًا مؤلمًا، ثم قال:

ـ “كنت أريد العودة من الطريق القصير… لكن الصخور انزلقت بسبب المطر. حاولت حماية الإبل… لكني سقطت.”

كان صوته ضعيفًا جدًا، وكأن كل كلمة يخرجها تنتزع جزءًا من قوته.

وضعت جميلة يدها خلف ظهره محاولة مساعدته، لكنها شعرت بأن جسده ساخن بشكل غير طبيعي بسبب النزف والخوف والبرد. قالت بلهفة:

ـ “لا تتحرك… سأساعدك.”

ابتسم سالم ابتسامة صغيرة رغم الألم وقال:

ـ “ما كان يجب أن تأتي… الجو خطير.”

فأجابته وعيناها ممتلئتان بالدموع:

ـ “أنت من يجب ألا يكون هنا! لماذا جئت من هذا الطريق أصلاً؟!”

لم يرد، لكنه أغلق عينيه للحظة، وكأنه يعترف دون أن يتكلم أنه فعل ذلك لأنه كان يتجنب المرور قرب بيتها… خوفًا من الوجع.

لكن الوقت لم يكن يسمح بأي حديث آخر. فالسيول الصغيرة بدأت تتشكل في المجرى، وقد تجرف أي شيء في طريقها إن ازدادت. أدركت جميلة أن عليها الإسراع قبل أن يشتد المطر أكثر.

نظرت إلى مهاباج، وقالت له وكأنه يفهم الكلمات:

ـ “تعال… اقترب.”

الجمل الضخم اقترب بالفعل، يفهم القلق الذي كان يملأ المكان. وضعت جميلة يدها على لجامه، ثم حاولت بكل قوتها أن تسند سالم حتى ينهض.

قال سالم وهو يحاول الوقوف:

ـ “قدمي… لا أستطيع أن أضغط عليها.”

كانت ساقه اليمنى مصابة بجرح عميق، والدم اختلط بالطين في مشهد قاسٍ.

قالت بحزم لم تتوقع أن يخرج منها:

ـ “سأساعدك… فقط اتكئ علي.”

كان المشهد يختصر كل شيء بينهما… فتاة من بيت كبير تحمل رجلاً من أهل البادية بكل خوف الدنيا وصدقها، وجملٌ يقف بجوارهما كأنه يحرس قلوبهما لا أجسادهما فقط.

بعد محاولات كثيرة، استطاعت جميلة أن تجعل سالم يستند إلى كتفها، ثم ساعدته ليركب على ظهر مهاباج. تحرك الجمل ببطء شديد، وكأنه يعرف أن أي حركة خاطئة قد تزيد ألمه.

أمسكت جميلة اللجام وسارت أمامه، تمشي تحت المطر والبرد والطين، لكنها لم تهتم بشيء سوى أن تُعيده سالمًا.

حين وصلوا إلى حدود الواحة، بدأت الأنوار تلوح من بعيد، لكن المشكلة الكبرى كانت بانتظارهم: أهل الواحة لا يرحمون في كلامهم، والعيون تراقب كل شيء. دخول جميلة مع شاب مصاب في هذا الوقت ومع جمل ينزف… كان كفيلًا بأن يصنع من الحكاية نارًا تلتهم السمعة.

لكنها لم تكن تفكر في ذلك. أول ما فكرت فيه هو “الحياة قبل كل شيء”.

قادته إلى كوخ صغير مهجور قرب البئر القديمة، كانت النساء تستخدمه سابقًا لتخزين أدوات الماء. فتحته بسرعة، دخلت مع الجمل، ثم ساعدت سالم على النزول والجلوس على الحصير القديم.

كان سالم يكاد يفقد وعيه من الألم.

قطعت قطعة من ثوبها لتربط بها النزف، ثم أشعلت نارًا صغيرة من الحطب الجاف داخل الموقد الطيني. أخذت نفسًا عميقًا يحاول ترتيب أفكارها ثم قالت:

ـ “سأذهب لإحضار دواء… وسأعود.”

لكن سالم أمسك بيدها قبل أن تقوم.

كان ضعيفًا جدًا، ومع ذلك قال بكلمات ثقيلة:

ـ “إن خرجتِ الآن… سيراكِ أحد… وسيظن سوءًا.”

تجمدت في مكانها.

كانت هذه الحقيقة التي تحاول أن تتجاهلها.

أخفضت نظرها وقالت:

ـ “والدي سيقتلني لو عرف أني هنا… لكنه سيقتلك أنت أولًا.”

ابتسم سالم رغم الألم، وقال بصوت كأنه جزء من روحه:

ـ “لا أريد أن تكوني في خطر بسببي.”

جلست جميلة بجواره والقلق يأكلها. لا تستطيع تركه، ولا تستطيع العودة إلى بيتها دون أن تسأل عنها العيون.

سكت الاثنان، لكن الصمت الذي جمعهما لم يكن صمت خوف… بل صمت اقتراب.

بعد لحظات طويلة، قال سالم بصوت ضعيف:

ـ “جميلة…”

ارتجف شيء في قلبها، لكنه أكمل قبل أن ترد:

ـ “إذا حدث لي شيء… قولي لوالدك إنني لم… أقترب منك يومًا إلا باحترام.”

نزلت دمعة من عينها دون إرادتها. أمسكت بيده، وقالت:

ـ “لا تقل ذلك… لن يحدث لك شيء.”

نظر إليها بعمق، بعمق يكفي ليحرك مدينة كاملة، وقال:

ـ “كنت أريد أن أقول لك… قبل أن تتم خطبتك… أني…”

سكت فجأة، كأن الألم قطع عليه الكلمة.

لكن جميلة سمعتها ولو لم تُنطق.

كل شيء كان يصرخ بها… كل نظرة، كل خوف، كل لحظة منذ عرفته:

كان يريد أن يقول إنه يحبها.

وهي… كانت ترغب في سماعها، حتى لو كانت نهايتها حزنًا.

لم يمض الكثير من الوقت حتى سمعا صوت خطوات تقترب من الخارج.

شهقت جميلة، وقفت بسرعة وهي ترفع يدها نحو الباب. أما سالم فحاول الجلوس رغم الألم، كأنه يريد حمايتها ولو كان نصف ميّت.

فتح الباب بقوة… ودخل رجل.

كان والدها راشد.

لم يكن وجهه غضبًا فقط… بل صدمة، ورعب، وخيانة، وكأن كل شيء أمامه يقول إن ابنته فعلت ما لا يُغتفر.

نظر إلى سالم أولًا… ثم إلى ابنته… ثم إلى الجمل المصاب.

صرخ بصوت هزّ أركان الكوخ:

ـ “ماذا تفعلين هنا؟!”

ارتعشت جميلة، لكنها لم تتراجع.

قالت بثبات لم يخرج منها يومًا:

ـ “أنقذت حياته.”

اقترب راشد منها بخطوات ثقيلة وقال:

ـ “أنقذت حياته… أم كنت معه؟!”

صرخت جميلة لأول مرة منذ وُلدت:

ـ “كفى!”

تجمد راشد.

تابعت وهي تبكي:

ـ “سالم لم يلمسني… لم يقل كلمة خارج حدود الأدب. أصيب بسبب المطر… والجمل جاء يطلب النجدة… ولم أستطع تركه يموت!”

نظر راشد إلى سالم بعين تملؤها الاتهامات. اقترب منه وقال:

ـ “أهذا صحيح؟”

رفع سالم رأسه بصعوبة، ورغم الألم قال بصدق منقوش على ملامحه:

ـ “لم أقترب من ابنتك يومًا إلا باحترام… ولن أفعل شيئًا يغضبك.”

كانت الكلمات كفيلة بأن تهدئ أي قلب… إلا قلب رجل يخاف على ابنته من الدنيا كلها.

لكن ما فعله راشد كان مفاجئًا.

نظر إلى ساق سالم المصابة، ثم إلى الجمل مهاباج وهو يئن بحزن… ثم إلى ابنته التي تبكي أمامه. شعر بشيء يتشقق داخله؛ ليس غضبًا، بل إدراكًا مرًا بأن ابنته كبرت… وأن قلبها ليس بيده.

تنهد بصوت هزيم، ثم قال:

ـ “سآخذك للبيت يا جميلة… وسنرى الطبيب لسالم والجمل.”

شهقت جميلة من الدهشة.

أما سالم، فلم يجد كلمة يقولها.

لكن راشد أكمل بنبرة صارمة:

ـ “هذا لا يعني شيئًا آخر. افهموا ذلك جيدًا.”

ثم خرج، تاركًا الباب مفتوحًا، وكأنه يقول دون أن ينطق: “الفضيحة سأتولاها أنا… أما القلوب، فالله وحده يحكمها.”

نُقل سالم إلى أحد بيوت الرجال، وجاء الطبيب ليعالج جرحه. أما الجمل مهاباج، فقد اجتمع حوله رجال القبيلة يوقفون نزفه ويعتنون به. كان المشهد مؤلمًا ومهيبًا في الوقت ذاته؛ كأن الجمل كان جنديًا عاد من معركة خاسرة لكنه بقي واقفًا للحظة الأخيرة.

أما جميلة، فكانت في غرفتها خلف الباب، تبكي بصمت، وكل ما تفكر فيه هو أن سالم لم يمت… لكنها تشعر بأن قلبها هو الذي يوشك أن يموت.

وفي تلك الليلة، جلس راشد وحده قرب النار. لم يكن يفكر في السمعة ولا في كلام الناس… بل كان يفكر في عيون ابنته عندما صرخت “كفى”.

كانت تلك الصرخة أقوى ضربة تلقاها في حياته.

لم يكن يعرف ماذا يفعل… هل يقسو أكثر؟ أم يعترف بأن ابنته تشعر بشيء حقيقي تجاه ذلك الشاب؟

ولأول مرة… بدا عليه الضعف.

وفي صباح اليوم التالي، حدث ما لم يتوقعه أحد.

اختفى عواد، الرجل الذي تقدم لخطبة جميلة، بعد أن سمع بما جرى. ترك رسالة قصيرة يقول فيها:

“لا أريد الزواج من فتاة قلبها مع غيري.”

كان هذا القرار كالعاصفة التي قلبت كل شيء.

فالآن…
لم يعد هناك خطبة.
ولا وعد. ولا مستقبل مرسوم بالقوة.

وهذا جعل راشد يقف أمام الحقيقة كما هي:

ابنته… تحب سالم.
وسالم… لم يعترف لكنه لم يخفِ ذلك. والجمل… كان شاهدًا على بداية الحكاية ونهايتها الأولى.

وهكذا… تبدأ المرحلة الأصعب:

مرحلة الحقيقة.

التي سنعيشها في الجزء الثالث.

أقراء الجزء الأول

سحر العيون
بواسطة : سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات



    🅰